مع التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مختلف المهن، يزداد التساؤل حول تأثيرها على المهارات التي يكتسبها المتخصصون عبر سنوات من الدراسة والخبرة. فبينما تسهم هذه الأدوات في رفع الإنتاجية وتحسين الأداء، يخشى كثيرون أن يؤدي الاعتماد المفرط عليها إلى تراجع القدرات البشرية.
وتشير نتائج استطلاع حديث أُجري في الولايات المتحدة إلى أن 70% من الممرضين و77% من الأطباء يشعرون بالقلق من فقدان بعض مهاراتهم المهنية نتيجة الاعتماد المتزايد على أنظمة الذكاء الاصطناعي. ويؤكد باحثون أن هذا القلق يستند إلى مؤشرات علمية بدأت تظهر في مجالات مثل الطب وعلوم الحاسوب.
ففي إحدى الدراسات التي أُجريت على أطباء متخصصين في تنظير القولون، استُخدم نظام ذكاء اصطناعي يساعد على اكتشاف الأورام أثناء الفحص. وبعد فترة من استخدام النظام، لوحظ أن أداء الأطباء انخفض عند إجراء الفحوصات من دون مساعدته، ما يشير إلى أن الاعتماد المستمر على التقنية قد يؤثر في مهاراتهم التشخيصية.
كما توصلت تجربة أجرتها شركة أنثروبيك على مجموعة من مهندسي البرمجيات إلى أن المشاركين الذين استخدموا مساعدًا للذكاء الاصطناعي أكملوا مهامهم بكفاءة، إلا أنهم حققوا نتائج أضعف في اختبار يقيس فهمهم للمفاهيم البرمجية وقدرتهم على اكتشاف الأخطاء، مقارنةً بمن اعتمدوا على مهاراتهم الشخصية.
ويرى الباحثون أن المشكلة لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في الاعتماد عليه دون مشاركة فعالة من الإنسان في التفكير والتحليل. فكلما تولت الأنظمة الذكية جزءًا أكبر من المهام العقلية، قلّت فرص الأفراد في ممارسة مهاراتهم وتطويرها.
ويشير مختصون إلى أن هذه الظاهرة ليست جديدة بالكامل، إذ سبق أن أثرت تقنيات مثل أنظمة الملاحة (GPS) في قدرة الأشخاص على تحديد الاتجاهات، إلا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يختلف لأنه يستطيع أداء مهام معرفية معقدة كانت تُعد حكرًا على الإنسان.
وللحد من تراجع المهارات، ينصح الخبراء باستخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة داعمة لا بديلًا عن التفكير البشري، مع الحرص على مراجعة نتائجه، وفهم آلية عمله وحدوده، والاستمرار في ممارسة المهارات الأساسية بصورة منتظمة.
في النهاية، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة لتحسين الأداء والإنتاجية، لكنه يتطلب استخدامًا متوازنًا يضمن بقاء الخبرة البشرية وتنميتها، بدلاً من استبدالها أو إضعافها.