لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي في صناعة الموسيقى تقتصر على قدرته على إنتاج أغنيات تبدو وكأنها من صنع البشر، بل انتقلت إلى تحدٍ جديد وأكثر تعقيداً: **كيف يمكن معرفة مصدر الموسيقى بعد انتشارها على الإنترنت؟**
ومع إمكانية إنتاج آلاف المقاطع الموسيقية خلال وقت قصير، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي نفسها تبحث عن وسائل تساعد منصات البث والتوزيع على معرفة مصدر الأعمال ومواجهة إساءة استخدامها.
وفي هذا السياق، أعلنت شركة **«سونو» إحدى أبرز منصات توليد الموسيقى بالذكاء الاصطناعي، خططاً لاعتماد تقنيات متقدمة للعلامات المائية والبصمات الرقمية في الأعمال التي تنتجها نماذجها.
وتهدف الخطوة إلى تعزيز الشفافية ومكافحة الاحتيال والحد من انتشار كميات ضخمة من المحتوى المولد آلياً بصورة قد تؤثر في منصات الموسيقى والفنانين.
كيف تعمل العلامة المائية؟
تعتمد العلامة المائية الصوتية على إدخال إشارة رقمية غير ملحوظة للأذن البشرية داخل التسجيل، بحيث يمكن لأنظمة متخصصة اكتشافها لاحقاً والتعرف إلى مصدر الملف.
أما **البصمة الرقمية**، فتعتمد على تحليل خصائص مميزة داخل التسجيل ومقارنتها ببيانات محفوظة، ما قد يساعد على التعرف إلى العمل حتى بعد تداوله أو إعادة نشره.
ولا يعني ذلك إضافة صوت أو مؤثر مسموع داخل الأغنية، إذ يمكن تضمين المعلومات داخل البنية الصوتية نفسها.
ويعمل الباحثون على تطوير علامات تستطيع الصمود أمام عمليات ضغط الملفات، وتحويل الصيغ، وإعادة الترميز والتحرير، وهي من أبرز التحديات أمام أي نظام يريد تتبع المحتوى بعد خروجه من منصة الإنشاء.

تحدي الموسيقى المولدة بالذكاء الاصطناعي
تأتي هذه الخطوة في وقت أصبح فيه التمييز بين الموسيقى البشرية والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي أكثر صعوبة.
وتشير أبحاث إلى أن أدوات الكشف قد تصبح أقل دقة عندما تكون المقاطع قصيرة أو عند مزج الموسيقى بأصوات أخرى، مثل الكلام في البرامج الإذاعية أو التلفزيونية.
لكن المشكلة لا تتوقف عند معرفة ما إذا كانت الأغنية من صنع إنسان أو آلة.
فسهولة إنتاج الموسيقى بالذكاء الاصطناعي تتيح إنشاء آلاف أو حتى ملايين المقاطع بتكلفة منخفضة، ما يثير مخاوف بشأن إغراق منصات البث بمحتوى منخفض الجودة، أو استخدام كميات هائلة من الأغنيات للتلاعب بأرقام الاستماع والعوائد المالية.
وبحسب تقارير صحفية، تتضمن خطط «سونو» التعاون مع منصات توزيع الموسيقى لمواجهة الاحتيال وإساءة استخدام المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى اتخاذ إجراءات تستهدف ما يعرف بـ**«السبام الموسيقي»**.
بين «مولد بالذكاء الاصطناعي» و«مدعوم بالذكاء الاصطناعي»
وتطرح هذه التقنية في الوقت نفسه سؤالاً مهماً حول الطريقة التي ستتعامل بها المنصات مع الأعمال التي تحمل بصمة تشير إلى استخدام الذكاء الاصطناعي.
فليست كل أغنية تستخدم الذكاء الاصطناعي منتجة بالكامل بواسطة الآلة.
قد يكتب الفنان الكلمات واللحن بنفسه، ثم يستخدم أدوات ذكية في التوزيع أو معالجة الصوت أو الأداء، وهو ما يجعل التمييز بين **«المحتوى المنشأ بالذكاء الاصطناعي»** و**«المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي»** أمراً أساسياً.
وقد يساعد هذا التصنيف على حماية الفنانين الذين يستخدمون التقنية كأداة مساعدة، دون وضع أعمالهم في الفئة نفسها مع المقاطع التي تنتجها النماذج بصورة شبه كاملة.

بنية جديدة لصناعة الموسيقى
إذا نجحت تقنيات العلامات المائية والبصمات الرقمية في مقاومة التعديل والضغط وإعادة التشفير، فقد تتحول مستقبلاً من ميزة تستخدمها شركة واحدة إلى جزء أساسي من البنية التحتية لصناعة الموسيقى الرقمية.
فإمكانية معرفة مصدر التسجيل قد تساعد منصات البث على رصد الحسابات التي تنتج كميات غير طبيعية من الموسيقى، والتحقق من ادعاءات الملكية، ومكافحة عمليات الاحتيال المرتبطة بعدد مرات الاستماع.
لكن نجاح هذه الأنظمة لن يقاس فقط بقدرتها على اكتشاف الأغاني المولدة بالذكاء الاصطناعي، بل بقدرتها على تحقيق توازن بين **حماية الفنانين والمنصات من الاحتيال، والحفاظ على مساحة الإبداع والتجربة أمام الموسيقيين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي كأداة جديدة في عملهم**.